مولي محمد صالح المازندراني
4
شرح أصول الكافي
تلك الاُمور بعده عن يد ذلك السلطان وعن تحت حكمه وتدبيره ، والقدر بهذا المعنى وهو المسمّى بالتفويض أيضاً هو المراد هنا وهو مذهب طائفة من المعتزلة ونحن نسمّيهم تارة بالقدريّة وتارة بالمفوّضة ، وهاتان الفرقتان وهما الجبريّة والقدريّة خارجتان عن طريق العدل أولاهما في طرف الإفراط واُخراهما في طرف التفريط ، والمراد بالأمر بين الأمرين : أمر لا هذا ولا ذاك بل طريق متوسّط بينهما وهو أنَّ أفعالهم بقدرتهم واختيارهم مع تعلّق قضاء الله وقدره وتدبيره ومشيئته وإرادته وتوفيقه ولطفه وخذلانه بها ، وهذا التعلّق لا ينافي اختيارهم لأنَّ القضاء والقدر والإرادة وغيرها على قسمين : حتم وغير حتم ، والمنافي للاختيار هو الحتم دون غيره ، وستعلم وجه بطلان الأوَّلين وتحقّق الثالث في مضامين الأحاديث الآتية ، وينبغي أن يعلم أنَّ القدريّة قد تطلق على الجبريّة ( 1 ) بناء على أنَّ القدر جاء بمعنى الجبر أيضاً والقدر بهذا المعنى أيضاً مذكور في هذا الباب ، وإنّما بسطنا الكلام طلباً للبصيرة فيما هو المقصود في هذا المقام . « الأصل » 1 - « عليّ بن محمّد ، عن سهل بن زياد ; وإسحاق بن محمّد وغيرهما رفعوه قال : » « كان أمير المؤمنين ( عليه السلام ) جالساً بالكوفة بعد منصرفه من صفّين إذا أقبل شيخٌ فجثا بين يديه ، ثمّ قال له : يا أمير
--> 1 - قوله « قد تطلق على الجبريّة » وينبغي أن يكون هذا هو الاستعمال الشائع كما في نظائره يطلق الإمامية : على القائلين بالإمامة دون المنكرين ، والجبرية : على القائلين بالجبر دون المنكرين ، والعدلية : على القائلين بالعدل وأمثالها ، فالقدرية : هم القائلون بالقدر ، أي مَن يقول كل فعل من أفعال الإنسان بقدر الله لكن الأشاعرة لم يستطيعوا أن يردّوا الحديث المنقول عن النبي ( صلى الله عليه وآله ) « القدرية مجوس هذه الأمة » ولم يروا أن يعترفوا بأنهم أنفسهم قدرية فسّروا القدرية بمن ينفي القدر وما وجدنا نظيره في كلام العرب ، ولو جاز ذلك جاز أن يقال : النحوي مَن ينكر علم النحو ، والصرفي : مَن ينكر علم الصرف ، واللغوي : هو الذي لا يعرف من اللغة شيئاً والاثنا عشري : مَن ينكر إمامة الأئمة الاثني عشر . والاسطرلابي : من لا يعرف الأسطرلاب ، والاخباري : مَن ينكر الأخبار ، والسنّي : مَن لا يتمسك بالسنّة النبوية . ولكن لما اشتهر تفسيرهم القدرية بنفي القدر جاء في بعض الأخبار أيضاً جرياً على اللفظ المشهور وربما يقال : إذا أكثر رجل من ذكر شيء وإن كرهه ينسب إليه وهو غير صحيح فإن الجبرية أيضاً يكثرون ذكر القدر بل أكثر من المفوضة . ( ش )